روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
346
عرائس البيان في حقائق القرآن
إبراهيم بقوله : فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 47 إلى 55 ] وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 47 ) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ( 48 ) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 49 ) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 51 ) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 ) أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 53 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) قوله تعالى : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 47 ) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها : وصف اللّه نفسه بالقدرة القائمة بذاته والقوة الأزلية في ذاته ، بأن ركّب السماء ، ووسعها ، وألبسها أنوار القدرة والقوة ، وجعلها مرآة لصفاته لنظر نظار الحقيقة وإبصار طلاب المشاهدات في الآيات ، وبسط الأرضين لأقدام أوليائه ، وجعلها مساجد أصفيائه ، وأنبت فيها صنوف الأشجار وفنون الأزهار ، وأثنى على نفسه في إمهاده الأرض بقوله : فَنِعْمَ الْماهِدُونَ : ذكر ثناء نفسه في ذكر الأرض لخاصيتها بأنها مواضع أقدام الصديقين ، وبأنها أصل طينة آدم وذريته ، وبيّن وحدانيته في قوله : خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ، وقع الكل في القلة والكثرة ، وتفرد الوحدانية بالوحدة ؛ ليعرف في رؤيتها العارف وحدانيته ، ويعتبر بما وجد في الكون أن مآل الكل للفناء ، والحق لم يزل ولا يزال باقيا . قال الخراز : أظهر معنى الربوبية والوحدانية بأن خلق الأرواح ؛ لتخلص له الفردانية ، فلما تبين أن أشكال الأشياء مواضع علة الفناء دعا العباد إلى نفسه ؛ لأنه الباقي وغيره فان بقوله : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ، ففروا من وجودكم ومن الأشياء كلها إلى اللّه بنعت الشوق والمحبة والتجريد عما سواه ، وأيضا فروا إليه منه حتى تفنوا فيه ؛ فإن الحادث لا يثبت عند رؤية القديم : إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ عنه وعن قهر قدمه وفراقه مُبِينٌ ؛ حيث تعرفون أني صادق فيما ظهر مني من سلطان هيبتي وبرهان قدرتي . قال سهل : ففروا مما سوي اللّه إلى اللّه ، وفروا من المعصية إلى الطاعة ، ومن الجهل إلى العلم ، ومن عذابه إلى رحمته ، ومن سخطه إلى رضوانه . وقال محمد بن حامد : حقيقة الفرار إلى اللّه ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « وألجأت ظهري إليك » « 1 » .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 97 ) ، ومسلم ( 4 / 2081 ) .